مَوْسِمُ الغبار المقدس

تردّدْتُ كثيرًا في الكتابة عن “الموَاسِم”. قاومتُ الفكرة، أجّلتُها، حاولتُ إقناعَ نفسي بأن بعض المواضيع تُشبه البِرَكَ الآسِنَة: الأفضلُ أن تمرّ بجانبها سريعًا، من غير أن تسأل عمّا يتحرك تحتَ سطحها. غير أن المواسم لا تسمح لأحد بالمرور بهدوء؛ تُطاردك مُكبراتها، يحاصرك غبارها، تسدّ شاحناتها الطريق، ثم تطلب منك أن تصفّق احترامًا للتراث.

خِفْتُ أن أبْدُوَ قاسيًا على ذاكرة الناس، ثم اكتشفتُ أنّ القَسوة الحقيقية لا تسكنُ الكلمات، وإنّما تسكنُ واقعًا يستهلك البشرَ والمال والوقتَ تحت خيمة كبيرة، ثم يمنح الفوضى اسمًا جليلًا وصورةً تذكارية.

هل نحتاجُ حقًا إلى كُلّ هذه المواسم؟

لنُحدّد أولًا ما يحدث. تصل جماهير غفيرة إلى أرض عطشى، فتدُوسُها آلاف الأقدام والعجلات حتى يتحول الهواء إلى حساء من التراب والعرق ودخان الشّواء. يتنفس الزائر نصف كيلوغرام من الغُبار، يأكل النصف الآخر مع قطعة لحم قَضتْ يومها تحت الشّمس، ثم يعود إلى بيته مقتنعًا بأنه عاش تجربة ثقافية أصيلة. يستطيع جسده أن يختلف معه في الرأي صباح اليوم التالي؛ تبدأ الرحلة على الطريق، تصطف السيارات والحافلات والعربات في صفٍّ يشبه هجرة جماعية من كوكب انتهى فيه الماء.

يضغط السائقون على المنبهات كأن الصّخبَ يفتح الطرق المغلقة. يتقدم أحدهم مترًا واحدًا، فيشعر أنه حقق إنجازًا وطنيًا. يخرج آخر من الصّف، يدخل من التراب، يحاصر الجميع، ثم يفتح نافذته ويصرخ مطالبًا بالنّظام. هنا تتجلى العبقرية المحلية في أن الفوضويّ نفسه يطالب الآخرين باحترام القانون.

عند مدخل الموسم، تستقبل الزائرَ أكياسٌ بلاستيكية تتطاير بحرية كاملة. نادرًا ما يحصل المواطن على هذا القدر من الحرية، لذلك تمارسها الأكياس نيابةً عنه. تتعلق واحدة بشجرة، تستقر أخرى فوق خيمة، وتواصل الثالثة رحلتها نحو حقل قريب. هكذا ينشر الموسم آثاره في الطبيعة، حتى تتذكره الأرض بعد مغادرة الجميع بسَنوات. وفي الدّاخل، تتعانق الروائح من غير سَابِق تَعارُف: عرقٌ، دخّانٌ، توابلٌ، روثُ خيلٍ، زيتُ قَلْيٍ خاض معارك كثيرة ورفض التَّقاعد.

يقف بائع الطعام فوق برميل صدئ ويقدّم وجبة يصفها بأنها “طبيعية مئة في المئة”، حتى البكتيريا فيها طبيعية ولم تتلقَّ أي تدريب صناعي. تتنافس مكبرات الصوت على تمزيق ما تبقّى من طبلة الأذن. يمدح منشطٌ الموسِمَ مُنظّميه، يصرخ مُغنٍّ في الجهة الأخرى، ينادي بائع على بضاعته، ويعلنُ طفل ضائع عن نفسه بالبكاء. لا يسمع أحدٌ أحدًا، لذلك يرفع الجميع أصواتهم، فيكفّ الطفل الضائع عن البكاء، ويمضي باحثًا عن مكانٍ أهدأ يضيع فيه!

كيف نصنع مهرجانًا من الغبار ونسمّيه هوية؟

ثم تأتي لحظة “التبوريدة”. تنطلق الخيول، يركض الفرسان، يعلو البارود، وتركض القلوب معهم. لا أحد يُنكر جَمال المشهد حين يضبط الفرسان إيقاعهم ويطلقون بنادقهم في لحظة واحدة. تحمل الفروسية ذاكرة حقيقية، وتحمل الخيول هيبة لا تحتاج إلى خُطب المسؤولين. غير أن المنظمين يحاصرون هذا الجمال أحيانًا بفوضى تبتلعُه. يقترب الجمهور أكثر مما ينبغي، يصرخ الأطفال، تتوَتَّر الخيول، ثم يتصرف الجميع كأن السلامة مجرد فكرة أجنبية لا تناسب التراث.

أما المسؤول فيقف في الصفّ الأول، محاطًا بالكاميرات والحراس والكراسي المريحة. يتحدث عن التنمية القروية وهو لا يخطو داخل القرية إلا خلف موكب رسمي. يشرح أهمية الاقتصاد المحلي، ثم يغادر قبل أن يرى أكوام النفايات أو يسمع شكاوى السّكان.

يبتسم للصورة، يسلّمُ على فارس، يربت على كتف شيْخ، وينتهي دورُه العَظيم. وبعد ذلك، يستطيع الموسم أن يغرق في غُباره؛ فقد حصل المسؤول على الصّورة التي يحتاج إليها، وحصلت الصحافة على عبارة “نجاح باهر”، وحصل السكان على ازدحام استثنائي وحصّة وافرة من النفايات الموسمية عالية الجودة.

لذلك، ينفق المنظّمون بسخاء على الخيام والزينة والمنصّات واللافتات، ويخطّون أسماء الرعاة بحروف عملاقة، حتى ليخيّل للمرء أن الرعاة هم التراث، وأن المنصّات هي الثقافة، وأن الجمهور لم يُدعَ إلا ليملأ الفراغ خلف الكاميرات.

تنميةٌ تنتهي بانتهاءِ التَّصوير

يُبرِّرُ البعض كل شيء بعبارة “الرّواج الاقتصادي”. نعم، يبيع بعض التجار بضائعهم، وتتحرَّكُ المطاعم المؤقتة، ويكسب أصحاب النّقل رزقًا إضافيًا. هذا جانب حقيقي لا يحتاج إلى إنكار. لكن هل تحتاج التجارة إلى طرق مَسدودة، وطعام مكشوف، وأسلاك كهربائية تزحف بين الأرجل كالأفاعي، ونفايات تكفي لبناء تَلَّة جديدة؟ يستطيع التنظيمُ الجيِّد أن يدعّم التُّجار ويحميَ الزّوار ويحترمَ السُّكان؛ غير أن التنظيم يحتاجُ إلى عمَل وتربية، أما تعليق لافتة “تراثنا هويتنا” فيحتاجُ إلى مطبعةٍ فقط.

يحضرُ بعض الناس الموسمَ لأنهم يحبُّونه فعلًا. يلتقُون أقاربَهم، يُشاهدون الخيول، يشترون مُنتجات محلّية، يستعيدون ذكريات الطُّفولة. لا يملك أحد حقَّ السخرية من هذه المشاعر؛ السخرية تستهدف من يستغلُّ تلك المشاعر حتى يبيع الإهْمال في عُلبة مزخرفة.

لا يطلبُ منَّا التراث تعطيل العقل، كما أنّ الأصالة لا تعني أن نكرر أخطاءَ أجْدادنا ونضيفَ إليها مُكبرات صوْتٍ صِينية. لا تكمنُ المشكلة في الموسم نفسه، وإنّما في العقل الذي يقدّس الشَّكل ويهمل الغَاية. يستطيعُ الموسم أن يتحوَّل إلى فضاء للفَنِّ المحلي، والحِرف، والفُروسية، والموسيقى، والتّاريخ، والتّعليم، والسّياحة المنظمة؛ يستطيعُ أن يمنحَ المنطقة دخْلًا حقيقيًا، لكننا نختصرُ المشروع أحيانًا في ثلاثة أيّام من الازدحام، ثم نغادرُ المكان كأنَّ إعْصارًا احتفَل بزفافه هُناكَ.

لا نُلغي التّراثَ… نلغي العَبث باسْمه

لا نحتاجُ إلى إلْغاء المواسِم. نحتاج إلى إلغاء النّسخة الكسُولة منها: موسمٌ بدون خُطة تنظيمية، من غير نظافة، ولا سَلامة، وبميزانية تعرف طريق المنصة أكثر مما تعرف طريق المرافِق الأساسية. نحتاجُ إلى مَوسمٍ يخدُم المنطقة، لا إلى منطقةٍ تخدم صورةَ المسؤول عن الموسم.

في النّهاية، يغادر الجميع الموسم. تحملُ السّيارات الزّوار، تحملُ الجيوب ما بقيَ من النّقود، تحمل البُطون نتائج المغامَرة، ويحملُ الهواء غبارًا يكفي لموسمٍ آخر. تنطفئُ الأضْواء، تسكتُ المكبّرات، تختَفي الوُجوه الرَّسمية، وتبقَى الأرْضُ وحْدَها تجمَعُ ما تركه المحْتفِلُون فوْقَها؛ عندهَا يكشفُ الموسِمُ حقيقَتهُ الأخيرة:

لم نحتفل بالتراث كما زعمنا؛ احتفلنا بقُدرتنا العَجيبة على تحويل الفَوضى إلى عادة، والعادة إلى هُوية، والهوية إلى فاتورة، ثم تركنا الطبيعة تدفَعها. أمَّا الغُبار، أكثرُ المشاركين التزامًا، فيبقَى في مكانه ينتظر الدَّورة المقبلة… فهُوَ الوَحيدُ الذي فَهِمَ المشروع منذُ البِدَاية.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

The post مَوْسِمُ الغبار المقدس appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

2026-08-20T13:36:15Z